الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
113
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن أنس بن مالك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : فضل اللّه القرآن . ورحمته أن جعلكم من أهله ( يعني أن هداكم إلى اتباعه ) . ومثله عن أبي سعيد الخدري والبراء موقوفا ، وهو الذي يقتضيه اللفظ فإن الفضل هو هداية اللّه التي في القرآن ، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع الشريعة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة . وجملة : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ مبيّنة للمقصود من القصر المستفاد من تقديم المجرورين . وأفرد الضمير بتأويل المذكور كما أفرد اسم الإشارة . والضمير عائد إلى اسم الإشارة ، أي ذلك خير مما يجمعون . و مِمَّا يَجْمَعُونَ مراد به الأموال والمكاسب لأن فعل الجمع غلب في جمع المال . قال تعالى : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ [ الهمزة : 2 ] . ومن المعتاد أن جامع المال يفرح بجمعه . وضمير يَجْمَعُونَ عائد إلى النَّاسُ في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ [ يونس : 57 ] بقرينة السياق وليس عائدا إلى ما عاد إليه ضمير فَلْيَفْرَحُوا فإن القرائن تصرف الضمائر المتشابهة إلى مصارفها ، كقول عباس بن مرداس : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا ضمير ( أحرزوا ) عائد إلى المشركين الذين عاد إليهم الضمير في قوله : ( جمعهم ) . وضمير ( جمّعوا ) عائد إلى المسلمين ، أي لولا نحن لغنم المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم ، ومنه قوله تعالى : وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها في سورة الروم [ 9 ] . وعلى هذا الوجه يظهر معنى القصر أتمّ الظهور ، وهو أيضا المناسب لحالة المسلمين وحالة المشركين يومئذ ، فإن المسلمين كانوا في ضعف لأن أكثرهم من ضعاف القوم أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر . وقد وصف اللّه المشركين بالثروة في آيات كثيرة كقوله : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [ المزمل : 11 ] وقال : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 14 ، 15 ] وقال : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [ آل عمران : 196 ، 197 ] ، فلعل المشركين كانوا يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] . وقد قال اللّه للنبي صلى اللّه عليه وسلم : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلى قوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 52 ،